أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

625

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ « 1 » فجاء النفي ب لم مع الواو ودونها . قيل : قد تقدّم شيئان وهما « طعامك وشرابك » ولم يعد الضمير إلا مفردا ، وفي ذلك ثلاثة أجوبة : أحدها : أنهما لمّا كانا متلازمين ، بمعنى أنّ أحدهما لا يكتفى به بدون الآخر صارا بمنزلة شيء واحد حتى كأنه قال : فانظر إلى غذائك . الثاني : أنّ الضمير يعود إلى الشراب فقط ، لأنه أقرب مذكور ، وثمّ جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها . والتقدير : وانظر إلى طعامك لم يتسنّه وإلى شرابك لم يتسنّه ، أو يكون سكت عن تغيّر الطعام تنبيها بالأدنى على الأعلى ، وذلك أنه إذا لم يتغيّر الشراب مع نزعة النفس إليه فعدم تغيّر الطعام أولى ، قال معناه أبو البقاء . والثالث : أنه أفرد في موضع التثنية ، قاله أبو البقاء وأنشد : 1056 - فكأنّ في العينين حبّ قرنفل * أو سنبل كحلت به فانهلّت « 2 » وليس بشيء . وقرأ حمزة والكسائي : « لم يتسنّه » بالهاء وقفا وبحذفها وصلا ، والباقون بإثباتها في الحالين . فأمّا قراءتهما فالهاء فيها للسكت . وأمّا قراءة الجماعة فالهاء تحتمل وجهين . أحدهما : أن تكون أيضا للسكت ، وإنما أثبتت وصلا إجراء للوصل مجرى الوقف ، وهو في القرآن كثير ، سيمرّ بك منه مواضع ، فعلى هذا يكون أصل الكلمة : إمّا مشتقا من لفظ « السّنة » على قولنا إنّ لامها المحذوفة واو ، ولذلك تردّ في التصغير والجمع ، قالوا : سنيّة وسنوات ، وعلى هذه اللغة قالوا : « سانيت » أبدلت الواو ياء لوقوعها رابعة ، وقالوا : أسنت القوم ، فقلبوا الواو تاء ، والأصل أسنووا ، فأبدلوها في تجاه وتخمة كما تقدّم ، فأصله : يتسنّى فحذفت الألف جزما ، وإمّا من لفظ « مسنون » وهو المتغيّر ومنه حَمَإٍ مَسْنُونٍ « 3 » ، والأصل : يتسنّن بثلاث نونات ، فاستثقل توالي الأمثال ، فأبدلنا الأخيرة ياء ، كما قالوا في تظنّن : تظنّى ، وفي قصّصت أظفاري : قصّيت ، ثم أبدلنا الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت جزما ، قاله أبو عمرو ، وخطّأه الزجاج ، قال : « لأنّ المسنون المصبوب على سنن الطريق » . وحكي عن النقاش أنه قال : « هو مأخوذ من أسن الماء » أي تغيّر ، وهذا وإن كان صحيحا معنى فقد ردّ عليه النحويون قوله لأنه فاسد اشتقاقا ، إذ لو كان مشتقا من « أسن الماء » لكان ينبغي حين يبنى منه تفعّل أن يقال تأسّن . ويمكن أن يجاب عنه أن يمكن أن يكون قد قلبت الكلمة بأن أخّرت فاؤها - وهي الهمزة - إلى موضع لامها فبقي : يتسنّأ بالهمزة آخرا ، ثم أبدلت الهمزة ألفا كقولهم في قرأ : « قرا » ، وفي استهزأ : « استهزا » ثم حذفت جزما . والوجه الثاني : أن تكون الهاء أصلا بنفسها ، ويكون مشتقا من لفظ « سنة » أيضا ، ولكن في لغة من يجعل لامها المحذوفة هاء ، وهم الحجازيون ، والأصل : سنيهة ، يدلّ على ذلك التصغير والتكسير ، قالوا : سنيهة

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 93 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة الحجر ، آية ( 26 ) .